الشيخ محمد رشيد رضا
204
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مصدرية كقوله تعالى ( وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا ) أي كخوضهم ، وقول عبد اللّه ابن رواحة في مدح النبي ( ص ) وثبت اللّه ما آتاك من حسن * في المرسلين ونصرا كالذي نصروا وما قدرناه أولا أبعد عن التكلف وقوله تعالى « وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ » عام في بابه أي مفصلا لكل شيء من أحكام الشريعة كالعبادات والمعاملات المدنية والعقوبات والحرب « وَهُدىً وَرَحْمَةً » أي علما من أعلام الهداية وسببا من أسباب الرحمة لمن اهتدى به « لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ » أي آتاه الكتاب جامعا لما ذكر ليعد به قومه ويجعلهم محل الرجاء للايمان بلقاء اللّه تعالى في دار كرامته التي أعدها للمؤمنين المهتدين بوحيه * * * وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ أي وهذا الآن الذي يتلى عليكم كتاب عظيم القدر - فتنكيره للتعظيم - أنزلناه كما أنزلنا الكتاب على موسى - جامع لكل أسباب الهداية الثابتة الدائمة النامية الزائدة على ما في كتاب موسى - فالمبارك من البركة وهي الزيادة والنماء في الخير قيل إنها من بركة الماء وقيل من برك البعير - وقد بينا من قبل مزايا الآن على غيره من الكتب الإلهية فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي فاتبعوا ما هداكم اليه واتقوا ما نهاكم عنه وحذركم إياه لتكون رحمته تعالى مرجوة لكم في الدنيا والآخرة فان الكتاب هدى ورحمة كما صرح به فيما يلي تعليلا لانزاله * * * * * * أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ تقدم مثل هذا التعليل الذي معناه قطع طريق التعلل والاعتذار ، والمعنى - على الخلاف في تقدير متعلق « أن » - أنزلناه لئلا تقولوا أو كراهة أن تقولوا أو منعا لكم من أن تقولوا يوم الحساب والجزاء معتذرين عن شرككم واجرامكم : انما أنزل الكتاب الهادي إلى توحيد اللّه ومعرفته وطريق طاعته وتزكية الأنفس من دنس الشرك والرذائل على طائفتين من قبلنا وهم اليهود والنصارى ، وان حقيقة حالنا وشأننا اننا كنا غافلين عن دراستهم وتعليمهم لجهلنا بلغاتهم وغلبة الأمية علينا - والحصر انما يصح بالإضافة إليهم أو بحسب علمهم بحال الطائفتين لمجاورتهم لهم - أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ لأننا أذكى أفئدة وأعلى همة وأمضى عزيمة ،